الشيخ محمد رشيد رضا
80
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المصريين من المحبة والاحترام . وقد حكي اللّه تعالى لنا دفاع واحد ممن آمن به فقال ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ايمانه أتقتلون رجلا ان يقول ربي اللّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم ؟ وان يك كاذبا فعليه كذبه ، وان يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم . ان اللّه لا يهدي من هو مسرف مرتاب ) والمرجح عند المتأخرين من المؤرخين الواقفين على العاديات المصرية ان فرعون موسى هو الملك ( منفتاح ) وكان يلقب بسليل الاله ( رع ) وقد جاء في آخر الأثر المصري الوحيد الذي ذكر فيه بنو إسرائيل ( وهو المعروف برقم 25 : 34 المحفوظ في متحف مصر ) ان مصر هي السليلة الوحيدة للمعبود ( رع ) منذ وجود الآلهة وان « منفتاح » سليله أيضا وهو الجالس على سدة المعبود « شو » وان الاله « رع » التفت إلى مصر فولد « منفتاح » ملك مصر وشيء له ان يكون مناضلا عنها فتخنع له الولاة ولا يرفع أحد من البدو رأسه فخضع له القيروانيون والحيثيون والكنعانيون وعسقلان وجزال وينعمام وفيه : وانفك الإسرائيليون فلا بزر لهم وأصبحت فلسطين خلية لمصر « 1 » والأراضي كلها مضمومة في حفظه ، وكل اسم وعفه « اضعفه واذله » الصيدن القب ( منفتاح ) سليل الشمس معطي المعيشة كل نهار مثل الشمس اه « 2 » وما ذكر لا ينافي ادعاءه الانفراد بالألوهية والربوبية العليا بعد . وقوله : فلا بزر لهم هو بمعنى قولنا انقطع دابرهم يستعمل في الحقيقة وفي المجاز من باب المبالغة أو بالنظر إلى المآل * * * ومن البديهي أن يخاف بنو إسرائيل هذا الوعيد وان يطمئنهم موسى عليه السّلام وهو ما بينه تعالى بقوله قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ أي اطلبوا معونة اللّه تعالى وتأييده لكم على ما سمعتم من الوعيد واصبروا ولا تجزعوا ، فان سألتم لماذا وإلى متى ؟ أقل لكم إن الأرض - جنسها أو الأرض التي وعدكم ربكم إياها وهي فلسطين - للّه تعالى الذي بيده ملكوت كل شيء يورثها من يشاء من عباده لا لفرعون فهي بحسب سنته تعالى دول والعاقبة الحسنة التي ينتهي
--> ( 1 ) الخلية التي لا زوج لها وهذا كناية عن كون فلسطين تحت كفالة مصر وتصرف فرعونها ويؤيده ما يجئ بعد فليحفظ ( 2 ) تراجع ترجمه هذا الأثر في ص 387 م 18 من المنار